المغرب يضع خبرته في إعادة الإعمار رهن إشارة غزة.. نحو مساهمة مغربية في مرحلة البناء …
يتجه المغرب إلى بحث سبل توسيع مساهمته في دعم الفلسطينيين خلال مرحلة إعادة إعمار قطاع غزة، من خلال وضع الخبرات التي راكمها في مجالات السكن والبنية التحتية والطرق والتعمير رهن إشارة الجانب الفلسطيني، في خطوة يمكن أن تفتح المجال أمام انتقال التعاون من المساعدات الإنسانية إلى دعم جهود إعادة البناء والتأهيل.
وفي هذا السياق، شكلت إمكانية الاستفادة من التجربة المغربية محور مباحثات جرت يوم 29 غشت 2026 بين وزير الأشغال العامة والإسكان الفلسطيني عاهد بسيسو وسفير المغرب لدى فلسطين عبد الرحيم مزيان، حيث تم بحث مجالات يمكن للخبرة المغربية أن تقدم فيها إضافة عملية، خصوصاً ما يتعلق بالسكن والطرق والبنيات التحتية والتخطيط العمراني، إلى جانب المساهمة المحتملة في إعادة تأهيل المناطق التي تعرضت لدمار واسع جراء الحرب في قطاع غزة.
وتستند هذه الرؤية إلى التجربة التي راكمها المغرب في التعامل مع تداعيات الكوارث وإعادة تأهيل المناطق المتضررة، لاسيما بعد زلزال الحوز، حيث أطلقت المملكة برامج واسعة لإعادة بناء المساكن وإصلاح الطرق والمنشآت الأساسية، إلى جانب إعادة تأهيل عدد من المؤسسات والخدمات العمومية، وهو ما أفرز خبرات وآليات في مجالات التخطيط والتنسيق وتنفيذ مشاريع إعادة الإعمار.
وتكتسي هذه الخبرة أهمية خاصة في الحالة الفلسطينية، بالنظر إلى حجم الاحتياجات المرتبطة بإعادة بناء ما دمرته الحرب. وتشير المعطيات الواردة في التقرير إلى أن الخسائر المادية تقدر بنحو 35.2 مليار دولار، بينما تبلغ الخسائر الاقتصادية والاجتماعية حوالي 22.7 مليار دولار، مع تسجيل أضرار كبيرة طالت قطاع السكن وشبكات النقل والماء والتطهير والبنيات التحتية والخدمات الأساسية.
وفي حال تطورت الاتصالات الحالية إلى تعاون عملي، فإن مجالات المساهمة المغربية يمكن أن تشمل الهندسة والتخطيط العمراني وإعادة بناء وتأهيل الوحدات السكنية، فضلاً عن إصلاح الطرق وشبكات الماء والتطهير وإعادة تأهيل المؤسسات الصحية والتعليمية والمنشآت العمومية التي تحتاج إلى إعادة بناء أو ترميم.
كما يمكن أن يحضر البعد المؤسساتي المغربي في هذه الجهود من خلال وكالة بيت مال القدس الشريف، التي تضطلع بأدوار في دعم عدد من المشاريع الاجتماعية والتنموية المرتبطة بالقدس والمجتمع الفلسطيني، بما يمكن أن يشكل إحدى الآليات الممكنة لتوجيه الدعم نحو قطاعات ذات أولوية وفق طبيعة المشاريع والموارد المتاحة.
غير أن الحديث عن مساهمة مغربية في إعادة إعمار غزة يحتاج، في المرحلة الحالية، إلى قدر من الدقة، إذ إن المعطيات المتوفرة تتعلق أساساً بمباحثات واتصالات حول إمكانية الاستفادة من الخبرات المغربية، ولا تشير إلى إقرار برنامج مالي مغربي محدد وشامل لإعادة إعمار القطاع.
وتظل ترجمة هذه الرغبة إلى مشاريع على أرض الواقع مرتبطة بعدد من الشروط، من بينها تحديد الأولويات، ووضع آليات للتمويل، وتحديد الجهات والخبرات التي ستشارك في التنفيذ، فضلاً عن الظروف الميدانية واللوجستية والأمنية التي ستسمح بوصول فرق العمل والمعدات وتنفيذ المشاريع في المناطق المتضررة.
وفي هذا السياق، يمكن للتجربة المغربية في تدبير مشاريع إعادة الإعمار أن تشكل رصيداً مهماً، ليس فقط من حيث الخبرة الهندسية والتقنية، وإنما أيضاً في مجال التنسيق بين المؤسسات العمومية والجماعات الترابية والمقاولات والساكنة المستفيدة، وهي عناصر تكتسي أهمية كبيرة في عمليات إعادة البناء واسعة النطاق.
وبينما تظل طبيعة وحجم المشاركة المغربية المستقبلية رهينين بتطور الاتصالات وتوفر الشروط اللازمة، فإن طرح الخبرة المغربية ضمن النقاش المرتبط بإعادة إعمار غزة يعكس إمكانية انتقال التعاون إلى مستوى أكثر عملية، يقوم على الاستفادة من التجارب والخبرات إلى جانب المساعدات الإنسانية.
وفي حال تحولت هذه المبادرات إلى مشاريع فعلية، فقد يجد المغرب نفسه أمام فرصة للمساهمة في مرحلة إعادة البناء من خلال خبراته الوطنية في إعادة تأهيل المناطق المتضررة، بما يجمع بين الدعم الإنساني والمساهمة التقنية والهندسية في استعادة السكن والبنيات الأساسية والخدمات الضرورية للحياة اليومية في غزة.