لا ننسى الصحفيين… في ذكرى 2 نونبر 2026: حين تصبح الحقيقة ثمناً للحياة ..

اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين

في الثاني من نونبر من كل سنة، يقف العالم أمام واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً في مجال حرية الصحافة وحقوق الإنسان؛ إنها قضية الصحفيين الذين دفعوا حياتهم ثمناً لنقل الحقيقة، وأولئك الذين تعرضوا للاعتداء والتهديد والترهيب بسبب قيامهم بواجبهم المهني في البحث عن المعلومة وإيصالها إلى الرأي العام.

إنها ليست مجرد ذكرى عابرة أو مناسبة دولية تضاف إلى أجندة الأيام الأممية، بل محطة لاستحضار أسماء صحفيين ومراسلين ومصورين ميدانيين غادروا مواقع عملهم ولم يعودوا، وآخرين وجدوا أنفسهم في مواجهة العنف والاعتقال والتهديد، فقط لأنهم اختاروا أن يكونوا شهوداً على الأحداث، وأن ينقلوا ما يحدث بعيداً عن الصمت والتعتيم.

الصحفي ليس عدواً… والمراسل ليس هدفاً

خلف كل خبر يصل إلى الجمهور، هناك صحفي يبحث عن الحقيقة، ومراسل ميداني ينتقل إلى مواقع الأحداث، ومصور يحمل كاميرته لتوثيق الوقائع، وأحياناً يواجه هؤلاء ظروفاً صعبة ومخاطر حقيقية، سواء في مناطق النزاعات والكوارث أو أثناء تغطية الاحتجاجات والأحداث المحلية.

ولعل المراسل الصحفي، بحكم ارتباطه المباشر بالميدان، يجد نفسه في كثير من الأحيان في مواجهة ضغوط متعددة، تبدأ من صعوبة الوصول إلى المعلومة، ولا تنتهي عند التهديد أو الاعتداء أو محاولات منعه من أداء مهمته.

إن حماية الصحفي لا ينبغي أن تكون مرتبطة بمكان عمله أو حجم المؤسسة الإعلامية التي ينتمي إليها، ولا بعدد المتابعين الذين تصل إليهم تقاريره. فالحق في الحماية المهنية والكرامة والسلامة حق أصيل لكل صحفي، سواء كان يعمل في مؤسسة دولية كبرى أو في صحيفة محلية أو منصة إعلامية جهوية.

الإفلات من العقاب… جريمة تتجدد مع كل صمت

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه حرية الصحافة ليس فقط الاعتداء على الصحفيين، بل أن تمر هذه الاعتداءات دون تحقيق جدي أو مساءلة قانونية أو إنصاف للضحايا.

فحين يظل مرتكبو الجرائم ضد الصحفيين بعيدين عن المحاسبة، تتسع دائرة الخوف، ويصبح الصمت أكثر أماناً من نقل الحقيقة، ويتحول الاعتداء على صحفي واحد إلى رسالة تهديد موجهة إلى كل العاملين في الحقل الإعلامي.

ومن هنا تأتي أهمية هذا اليوم الدولي، الذي أقرته الأمم المتحدة، للتذكير بضرورة وضع حد للإفلات من العقاب، وضمان التحقيق الفعال والمستقل في الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين، ومحاسبة المسؤولين عنها، وتوفير الحماية اللازمة لكل من يمارس مهنة الصحافة.

المراسلون الصحفيون… جنود الكلمة في الصفوف الأمامية

لا يمكن الحديث عن الصحافة دون استحضار الدور الذي يؤديه المراسلون الصحفيون، خصوصاً في المدن والأقاليم والمناطق البعيدة عن مراكز القرار الإعلامي.

هؤلاء هم الذين ينقلون انشغالات المواطنين، ويرصدون الاختلالات، ويتابعون المشاريع والأوراش التنموية، ويواكبون الأحداث الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والرياضية، ويمنحون القضايا المحلية حقها في الحضور داخل المشهد الإعلامي الوطني.

لكن هذا الدور لا يخلو من التحديات، خصوصاً عندما يجد المراسل نفسه أمام غياب الاعتراف بمجهوده، أو صعوبة الحصول على المعلومة، أو محاولات التضييق على عمله، أو الخلط بين صفته المهنية وحقه في ممارسة مهامه باستقلالية ومسؤولية.

إن إنصاف المراسل الصحفي يبدأ بالاعتراف بدوره، واحترام كرامته، وتوفير شروط ممارسة مهنته، والتصدي لكل أشكال الاعتداء عليه أو تهديده أو التشهير به بسبب عمله الصحفي.

لا نريد للصحفيين أن يكونوا أرقاماً في تقارير الضحايا

في هذه الذكرى، لا نكتفي باستحضار من فقدوا حياتهم، بل نجدد المطالبة بحماية الأحياء منهم، وبضمان بيئة إعلامية آمنة تتيح للصحفي أن يعمل دون خوف، وللمراسل أن ينقل الوقائع دون تهديد، وللمصور أن يوثق الأحداث دون اعتداء.

كما أن المسؤولية لا تقع على عاتق الحكومات والمؤسسات القضائية وحدها، بل تمتد إلى المؤسسات الإعلامية والهيئات المهنية والنقابية والحقوقية، من خلال التضامن، والترافع، والتكوين، والتوعية، والدفاع عن استقلالية المهنة وكرامة ممارسيها.

في 2 نونبر 2026، نقولها بوضوح:

لا ننسى الصحفيين الذين رحلوا، ولا نترك الذين يواصلون أداء رسالتهم وحدهم.

فالصحافة ليست جريمة، ونقل الحقيقة ليس تهديداً لأحد، والمراسل الصحفي ليس خصماً لأي طرف، بل هو شاهد على الواقع وناقل للوقائع، ومسؤوليته المهنية تقتضي حماية حق المجتمع في المعرفة.

الرحمة لكل الصحفيين الذين فقدوا حياتهم أثناء أداء رسالتهم، والتضامن مع كل من تعرض للتهديد أو الاعتداء أو التضييق، والإنصاف لكل ضحية لم تنل حقها في العدالة.

لأن الحقيقة تستحق أن تُقال، ولأن حياة الصحفي تستحق أن تُحمى، ولأن العدالة لا تكتمل ما دام الإفلات من العقاب قائماً.

التعليقات (0)
اضف تعليق